الشيخ محمد رشيد رضا
129
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
فبهذه الأسباب أبطلوا مزية كتاب اللّه وخاصيته في رفع الخلاف والتفرق المفسدين لامر الملة والأمة اتباعا لسنن من قبلهم وهم لا يشعرون ، لأنهم جعلوه هو موضع الخلاف أيضا ، قال تعالى ( 2 : 213 كانَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ ، وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّناتُ بَغْياً بَيْنَهُمْ ) الآية . وقال تعالى ( وَما تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ ) وقال تعالى ( فَإِنْ تَنازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ، ذلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا ) فالرد إلى كتاب اللّه وما بينه من سنة رسوله لإزالة التنازع وحسم الخلاف تفاديا من التفريق والتفرق المنافي لوحدة الدين يتوقف على جعل الكتاب وبيان الرسول له فوق التنازع واختلاف المذاهب والشيع ، والا كان الدواء عين الداء ( فان قيل ) إن القرآن ليس موضوع اختلاف بين الشيع والأحزاب المختلفين في المذاهب الاسلامية ، فهم مجمعون على أن من رد شيئا منه كان مرتدا عن الاسلام - ان كان قد عد من أهله - وانما الاختلاف في فهمه ، وأما السنة فاختلفوا في رواية بعضها وفي فهم بعض ، ومن صح عنده منها شيء يتعلق بأمر الدين وجب الاخذ به في كل مذهب من المذاهب التي يعتد باسلام أهلها . والاختلاف في فهم ما كان غير قطعي الدلالة ضروري لا يتناوله مثل قوله تعالى ( وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْبَيِّناتُ وَأُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ ) ونجيب عن هذا - أولا - بأنهم انما كانوا كذلك في كل ذلك قبل الفتن وعصبية المذاهب وأما بعدها فقد صرح بعض كبار فقهاء الحنفية بأن الأصل عندهم في كل حكم كلام أصحابهم فان وجدوا آية تخالفه ( ! ! ) التمسوا لها ناسخا فإن لم يجدوا أوّبوها ، وان وجدوا حديثا مخالفا له ( ! ! ) بحثوا في اسناده فان وجدوا فيه مطعنا نبذوه والافعلوا في التفصي منه ما يفعلون في التفضي من القرآن ( ! ! ) وقد جرى على ذلك أهل كل مذهب الا أفرادا من كبار النظار خالفوا المذهب في بعض المسائل الكلامية والأصولية بالدليل ، وبعض كبار المحدثين رجحوا بعض الأحاديث الصحيحة الصريحة على المذهب ، وان شئت فراجع بعض الشواهد على ردهم